الجمعة، 12 أكتوبر 2012

أحلى من فيروز



    كوب نسكافيه , جلسة مريحة , و صوت فيروز الهادئ العميق , هي عادة تلك الأمور التي تجعل من صباحي صباحا , و هي الأمور التي إن سمعت أو قرأت عنها بعد المغيب أشعر بحنين للصباح .. لكن هناك ما هو أجمل من كل هذا .

     هناك صباح الجمعة , مع صفرة هاربة من الشمس إلى جريدتي , ونسمة باردة , و كوب نسكافيه , وصوت القرآن .. ثم أصوات الخطب المتداخلة المنبعثة من المساجد , و عطر أبي يجول في البيت على مهل متناقض مع سرعة حركته وهو يتحرّك مسرعا 
 بدشداشته البيضاء نحو صلاة الجمعة .

    هذه الأمور , و هذه الأصوات , أجمل بكثير و أعزّ على قلبي من صوت فيروز-رغم معزّته- . فهي تشعرني بعودة العصور القديمة الاسلامية , فأسمع صوت إمام مخلص , و أرى جمع مصلّين خاشعين .. و أشتمّ رائحة النّصر.. حتى و إن لم يكن الأمام بهذا الإخلاص , و المصلين بذلك الخشوع ,و حتى و إن نسفت رياح التغيير كل آثار رائحة النصر . إلا أنها على الأقل تعطيني الأمل ..

 الأمل بمولود طاهر .. يكبر , و يصغر , يُرى , و لا يُرى .. مولود يشرّف أهله , و يسعد كلّ مر يرآه ..
مولود يسمّى العروبة...
ويدين بالإسلام ..





                                                               بـيـــان الكـســــــــيح

الأحد، 7 أكتوبر 2012

تلك النّظرة !

 


   أحب تلك الزاوية من عينيه , تلك التي استطيع أن ارى من خلالها كل أيّام الحبّ التي عاشها تجاهك .. أحبّ كيف أنّها تفضح كلّ الكلمات التي يخفيها عنك, عنك ! أحبّ أن أرى ما أراه في عينيه حين ينظر إليك !

      تلك النظرة من عينيه التي تساوي ألف نظرة , ألف إحساس , و ألف ديوان لشعر الحبّ !
 
 عندما يجلس إلى جوارك, و ترخين رأسك على الوسادة ناعسة , و ينظر من الجانب الأيمن من عينيه ..
و أنظر إليكما : إلى عينيه .. عندها أشعر بمعنى الحبّ ! ..





                                                               بـيـــان الكـســــــــيح

الأحد، 30 سبتمبر 2012

على الطريق


     على الطريق , تعترضنا عشرات السيارات التي يظن قادتها بأن الشوارع قد عبّدت لهم , و يعترضنا العديد من الشخوص الذين يتيهون بين المرور من أمامنا أو عدمه , مما قد يعرّضنا لتردد تجاه الوقوف أو المضي , و اذا ما عجزنا عن استيعاب تردداتهم تلك فقد نعرضهم و إيانا للمخاطر ..
     على الطريق , شرطيّ يحاسبنا ,فيظلمنا أو ينصفنا , يعلّمنا أو يغضبنا , يوقفنا أو يتركنا ..
على الطريق , قطط تتراكض , و تقف فجأة ! تعاندنا أحيانا , و تتعايش معنا أحيانا أخرى ..

على الطريق حجارة , أكياس بلاستيكية , قد لا نرى آثارها بعد اجتيازها إلا انها قد تبقى عالقة في محركاتنا دون أن ننتبه ,, فتؤذينا من حيث لا ندري!
في الطريق سيارات واقفة , و سيارات تمشي للأمام , و أخرى تعود إلى الخلف , حافلات تلف و تغير اتجاهها , و أخرى تلف لتعود إلى ذات الطربق الذي خرجت منه ..
رصيف , قمامة , باعة متجولون , أحواض بأشجار و شيء من ورود ..
و كدمات خلفتها عجلات كل المركبات ,, و كل اقدام المشاه ..
في الطريق من يقود , و من ينقاد , و من ينتظر .. هناك من يركّز , من يشرد , و من يغيب في همومه أو أحلامه ..



في الطريق ,, و على نفس الطريق , يمشي الغني و الفقير و المحسن والمسيء , و الظالم و المظلوم , و الواقعي و الموهوم ..

في الطريق , يمشي الناس سعيا لأمور الحياة ..
و في الطريق , نجد الحياة ..
فالحياة ما هي
بشوارعا و طرقها
سوى مجرّد طريق ...



                                                               بـيـــان الكـســــــــيح


الثلاثاء، 4 سبتمبر 2012

أضواء عَمّـــان


  تلمع كنجوم سماء صافية في ليل هادئ , تبعث في النفس تساؤلات عن السبب الذي يجعلها تبدو على هذا النحو من الروعة و البريق , تنقلنا إلى ليل ساحر في مقهى يتباهى بخرير الماء الذي نسمعه فيه , الممتزج بأنغام أم كلثوم . هكذا تبدو أضواء عمّــــــان .

    شرفتي هي شباك الغرفة , و مقهاي غرفة مستشفى أنزوي في  ناحيتها لأراقب تلك الأضواء. لست اسمع من حولي سوى صوت المكيّف و سنفونيات من الشّخير, إلّا أن أضوائك يا بلدي نقلتني لتلك الأجواء. أشيح بنظري عنها قليلا فأراني أشتاق لرؤياها تتوهّج و الناس نيام . لم يسبق لي أن رأيت ضوءا يتدرّج في شدته بتلك السرعة , لكنّ المنظر من عندي و كأنّ قناديل العالم تعطي من الضوء درجات .. يسطع , يخفت , أو ينطفيء , فتبدو كالخدع البصرية و الساحر حتّى مخفيّ !



     ليس هناك أي بناء يتمادي في الارتفاع , و ليس هناك جسور ضخمة أو طرق تلتفّ كظفيرة , لكنّ أضواء المنطقة تكفي لتقصّ القصّة , و تكفي لتسرّح بصرك فيها بشرود لا متناهي .

     ذلك المبنى الشاهق يبدع في تشتيت ضوء الشمس عند المشرق إلى شتّى الأطوال الموجيّة , و يصبح لون السّماء و كأنّ الله قبض على حزمة ألوان ثمّ أعاد توزيعها ليعطي كلّ لون حقّه, وينظّمهم بالتدريج حتى تسرّ العين. عندها تخجل أضواء عمّــان و تستتر عن الأعين , و تبدو مباني ربّة عمّون كجيوش تصطفّ , و يشمخ وسطها ذاك الصّرح . وبعد ذلك المشهد و الاستعداد المسرحي , تخرج بطلة القصّة , و تشرق شمس نهار جديد على عاصمة بلادي , عمّـــان.




 
 

 
                                                                                                                                                  كتبت 5:13 فجرا

                                                              بـيـــان الكـســــــــيح


الجمعة، 24 أغسطس 2012

خاطرة "خطوات"


   أحيانا , و بعد أن نكون قد فقدنا الأمل بإيجاد اشخاص قد أضعناهم.. تطأ أقدامنا أراض لم تطأها دون أقدامهم من قبل .   فنشعر بأننا سنجدهم هناك ! و ننسى أنهم إن ضاعوا من مكان , فسيضيعوا من الأماكن كلها !!



 


                                                                 بـيـــان الكـســــــــيح


الأربعاء، 22 أغسطس 2012

على طريقة "حلا"


       كم كان من الصعب علي أن اراقب مشهد رحيل الحافلات التي تقلهم , رغم أن ما قضيته معهم كان ثلاث ساعات فقط , إلّا انني شعرت أن كل واحد منهم ترك في قلبي جزءا منه , جزءا يذكرني بحلاوة اللحظة التي تبادلنا فيها الابتسام , و المشاعر ,و جزءا من حياتنا بأن عشنا سويا اللحظة  .
    قدمنا الى الجامعة لنشارك بحدث رمضاني أقيم لتقديم الافطار لمجموعة من الأيتام . أخبِرنا بالمخطط الذي سيسير وفقه الحدث , و انتظرنا. كان من المفترض على كل منا أن يتبنى يتيما لذاك اليوم ,يرافقه في الألعاب , يشجعه و يسانده,يساعده في غسل يديه ,ثم يجلس معه لتناول الإفطار. كل مجموعة من الأيتام مع إخوانهم المتطوعين شكلوا فريقا ,تشاركوا مع بعضهم الألعاب و طاولات الإفطار .
     عندما قدمت الحافلات التي تقل الأيتام بدأنا بالتعارف على الأطفال , لم يكن عليّ مرافقة طفل واحد,لأنني كنت مسؤولة عن إحدى الألعاب مما لا يتيح لي البقاء مع أحد الأطفال طوال الوقت. تقسموا إلى فرق, و مضوا للبدء بالألعاب ..
      إلى هنا ينتهي سرد التفاصيل , لأبدا بقصّ ما وراء التفاصيل. كنت في البداية محتارة فيما إذا كانت فكرة عدم مرافقتي لطفل طوال الوقت هي إيجابية أم سلبية , لكنّي مع مرور الوقت بدأت أمسك كل طفل , أتعرف على اسمه , أحاول تشجيعه و تحميسه للعب , و أحاول أن ابعث في نفسه شيئا من السعادة كرد لدين السعادة التي تسللت الى روحي عندما كنت ألاعبهم . مع كل طفل كنت أرى شيئا جديدا , شخصية و روحا و نفسية جدد . فهناك الطفل الصّغير الذي اكتشفنا فيه حماسا و حيوية قد تكفي للفريق بأكمله , و الطفلة الهادئة التي تحمل في عينيها ألف ابتسامة! و هناك الطفل القوي المحب للسيطرة و للتبختر بمرجلة . رغم أنّ اللعبة بسيطة , إلا أنّها أسعدتهم و ملأتهم بالحماس و بحب المشاركة , و ملأتني بالتالي بالإيمان بأن السعادة قد تكون بأبسط الأشياء , إذا ما عشناها بقلب الطفولة !

      كانت طفلة العيون الباسمة تلك تجذب انتباهي , كانت تحمل في عينيها كل المشاعر , إلا انّها كانت ترفض إظهارها لصديقتي التي كانت مسؤولة عنها , رغم أنها كانت بأمس الحاجة للشعور بمشاعرها تلك , ذلك أنها كانت تكابد لتقدم مشاعر عطفها و حبها لها رغم أنها لا تحب التعامل مع الأطفال . كنت ألمس فيها بعض الشقاوة بهدوئها ذاك, و كأنني أقرأ في ملامح وجهها تلك اللعبة اللتي تلعبها معها برفضها لجميع محاولات إسعادها,حتى أن احدى المحاولات كانت بأن رسمت على وجهها رسمة كتلك التي رسمت على وجه الطفلة أملا بأن تشعرها بشيء من السعادة  .. فقامت الطفلة , و مسحت وجهها بعد ان "تخبّص" وجه صديقتي بالألوان!
 
   قالت لها وهي تساعدها للاستعداد للصلاة : "طيب اذا انا هربت شو بسير ؟ " . و كنّا نضحك مع صديقتي –أو عليها صراحة- كيف انها تحاول جاهدة دون فائدة ! نضحك و تضحك هي فاقدة للأمل .

    بعد الانتهاء من جميع النشاطات تقدم الأطفال الى الحافلات ليغادروا المكان , صعدت الى الحافلات محاولة أن التمس نصيبي الآخير من السعادة معهم , ودعتهم محاولة ايصال شعوري بكل واحد منهم بأنه فعلا شخص مهم . تقدمت اليّ طفلة , لم تكن حتى من الفريق الذي لازمته , حضنتني فجأة , و تسارعت اليّ كل الأقوال التي كنت أسمعها عن جمال ايجاد السعادة في حضنة الأطفال ! و تذكرت مقطع الأغنية "تمحوها بسمة طفل حين نلبيه"...
    خرجت من الباص و ذهبت الى الآخر , أحاول أن أنشر ذات المعنى و أن أستقبل ذات السعادة. سلمت على الأطفال من الداخل , ثم خرجت و صافحتهم من الشبابيك , سحبتني طفلة, هي ذاتها الطفلة التي شدتني في طوال اليوم , قالت لي "بدي أبوسك" :) قبلتها , ثم قالت : " ناديلي هاي البنت " و (هاي البنت) كانت صديقتي التي لازمتها طوال اليوم , ذهبت اليها , اخبرتها , تفاجئت , و قبلتها و السعادة تغمرها ...

   تلك البنت كان اسمها حلا , حلا تثبت للعالم أن المشاعر لا بد و أن تعود لمن يعطيها ولو بعد حين , حلا فاجئتنا بتحايلها في إخفاء مشاعرها , فهي بما انها طلبت صديقتي لتقبيلها اذا كانت قد أحبت وجودها معها طوال اليوم ! كنت أود أن ترافق صديقتي طفلة تظهر لها جمال مشاعر الأطفال لتقنعها بروعة مرافقتهم, لكن حلا لم تظهر لها ذلك, حلا اظهرت شيئا أعظم من ذلك !
حلا أظهرت حلا ...
على طريقة حلا :)

                                                             بـيـــان الكـســــــــيح





الأحد، 22 يوليو 2012

هنا الفجر



    هنا الفجر .. هنا يبدأ اليوم , هنا يبدأ الكون ..  هنا تبدأ إعادة انبعاثات النفوس من موتها الأصغر , هنا تعطى الفرص الجديدة لحياة جديدة , هنا أمل جديد لحلم أن يتحقق .
    هنا سواد غير موحش , تؤنسنا فيه أصوات المآذن ,  ووجود الله يستشعر مع كل صيحة ديك تنادي للصلاة , مع كل ضوء ينار , مع كل نسمة هواء تستيقظ على بهجة اليوم الجديد على أمل بخير جديد .
    هنا فرصة الضائع , والتائب, و الكادح , والمضطر المبتلى . هنا فسحة طمأنينة , و نفحات إسلام من أيّام الرسول الكريم –صّلى الله عليه و سلّم- ..
    هنا قمريستعد لأن يأفل , و شمس تستعد لأن تطلّ. هنا كل رموز الخير تضرب . فلطالما اقترن الفجر بالنصر و الفرج .
هنا بداية الصباح , هنا بداية العالم ..
هنا كل شيء .. كل خير ..
كل أمــــــــل ..
فجــر أمــل على الجميــع  ...


                                                               بـيـــان الكـســــــــيح

السبت، 21 يوليو 2012

رفاهية الشرود


"هؤلاء الذين يصرون على الجلوس بمحاذاة النافذة ... أكثر الناس الذين لو سألتهم عن تفاصيل لا يعرفون الطريق"

    لم أعرف يوما الإجابة عن اسم الشارع أو المنطقة التي نمر فيها عندما كانت أمي تسألني على حين غرة عن ذلك , أملا بأن أحفظ الطرقات . لا زلت أتوه بين الحين و الآخر عندما أحاول الوصول إلى أماكن قد أكون قصدتها عدة مرات قبل ذلك , ذلك لأنني لم أقد بنفسي اليها , و إنما كنت راكبة , و أنا اذا ما كنت راكبة أفقد الإحساس بالاتجاهات, و أعيش حالة من الاستمتاع برفاهية الشرود.

   ما ان تتحرك المركبة , أيّا كان نوعها ,و مهما كانت وسائل الراحة المتوفرة فيها أتحرك أنا الأخرى الى عالم آخر .. أعبر جسر الزمان الى الذكريات , ثم أتعلق بحبال أقفز بها إلى ضفة المستقبل , و أعود أحيانا الى الحاضر , ولكن في خيالي .. فأشتاق , و آمل , و أحلم , و أعيش ..

أعيش مشاعر عشتها , وقد أعيشها , و آمل أن أعيشها . فإذا ما  وصلنا استفيق على مضض .

    أحب أحيانا أن ألقي نظرة على الناس داخل السيارات و الحافلات , أرى في نظرتي تلك أقصوصات من حياة بعضهم , و لمحة من حاضرهم , و "براشيم" نحتال بها لنلتقط جزءا من ملامح مستقبلهم . أرى من يقود السيارة و يقود معها خلافا محتدما بينه و بين من بجواره . و هناك من يقودها محاولا الموازنة بين تصفيقه و انطرابه مع الأغنية التي يسمعها , و بين القيادة . وهناك غيره من يقود و يضع تركيزه في قيادته حتى يطيب المشوار لمن معه , فيضحك ان ضحكوا  , و يفرح ان صفّقوا  ..
كلنا في النهاية قد نقف على نفس الإشارة الضوئية , كلنا .. بصغيرنا و كبيرنا و مريضنا و سليمنا .., نقف بجوار بعضنا , فنمشي باتجاه واحد , أو تفترق بنا الطّرق, و قد نعود من جديد على مفارق أخرى في الحياة , أو قد تكون تلك النظرة هي آخر ما نراه و آخر ما رأيته من أولئك الأشخاص ...

  أحب أن ابتسم للأطفال اللذين لا يحسنون –مثلي- التركيز في الطرقات , و إنما يتباينون بين من يرى في المسير متعة , و بين من يرى فيها مللا أو فرصة رائعة للنوم , فأضحك مع من يستمتع , و أحاول أن أرفّه عن من قد ملّ , و ألتمس السلام من الذين اختاروا النوم ..
   أحبها , متعة الشرود في الطريق ... و أحب سعة الخيال التي تمكنني من عيشها .. و لذلك أسامح نفسي و لا ألومها كلما ضللت -لشرودي سابقا -عن الطريق..


                                                               بـيـــان الكـســــــــيح




جنّتي الصغيرة



    عندما أجلس بهذه الغرفة , بهذا الوقت , يخيل لي أنّ هذه اللحظات هي أسعد لحظات حياتي, رغم أنها لا تشتمل سوى على غرفة وعلى شخص واحد : أنا . أو ربما لهذا أعشقها ..          
      ستارة النافذة تظهر شيئا من النافذة و تخفي شيئا , تحتضنها من أوسطها لعبة "سعدانية" الشكل , مغناطيسية الأيدي , تعطي بحضنتها تلك المقدار الأمثل من الستارة الذي يجب أن يرص إلى بعضه كي يتسنى لنسمات الريح أن تصلني , فكما نرى , أحيانا تحاول هي أن تلطف أجوائنا , و لكنها تحتاج منّا فقط أن نساعدها ونفتح لها شيئا من الستارة .
     من المستغرب أنّ نسمات شهر تمّوز كانت قادرة على إشعاري بالبرد! لكنها لا تفعل ذلك سوى بهذا الوقت , و بهذه الغرفة. أحيانا أعينها أيضا بتشغيل مروحة هادئة خفيفة.. و مع هدئة السماء بألوانها المغربية أشعر فعلا أنني أعيش –في تلك اللحظة-كما أريد أن أعيش !
    هنا أحب القراءة, رغم أنني لم أكن أحبها . و هنا أحببت فترة الغروب, رغم أنني لا أفضلها في أماكن أُخرى . هنا استمع لصوت العصفور الهادئ , ولصوت نفسي .. و أحيانا , هنا أكتب .
   هذا المكان في البيت كان موجودا دائما , لكنني لم اكتشفه قبلا ! تماما كبعض جوانب أنفسنا , ونفوس الآخرين التي نبقى بغفلة عنها حتّى نجرّبها , فتجود . بهذا المكان قد اقضي ساعات لوحدي دون أن أشعر بالوحدة, و أقضي مدد من يومي دون أن أشعر بأني قد أضعت الوقت .
   هل كان غار حراء هو جنّة  رسولنا الصغيرة؟! –صلّى الله عليه وسلّم- . هل كان يجد فيه كل هذا السلام الدّاخليّ و الهدوء ؟! هل كان يشعر فيه أنه يجلس بحضن الأرض ؟! هل كانت تحنو عليه , و تعطيه شيئا من حنانها القليل ؟! ربما كان كذلك , و إلا لما استطاع أن يطيل المكوث هناك. و ربما لن يتفهمه بذلك سوى من عرف معنى أن يكون هناك للشخص جنته الصغيرة ..
   الآن أغلق آسفة  أباجور الغرفة...
                                      وتنتهي فترة النقاهة ...





                              بـيـــان الكـســــــــيح


الخميس، 31 مايو 2012

هذا ما سأقوله لأبنائي ...




إلى كل من سيسمع عما حدث في سوريا في نصيبها من الربيع العربي , الى كل من سيحاول معرفة  تاريخه الذي هو حاضري في هذه اللحظات , الى من سيولد على نتائج  احداث سوريا و من لم يعش خلال أحداثها .. إلى ابناء الأجيال القادمة , و إلى ابنائي..

هذه رسالة سأحاول فيها شرح تاريخ لم يفهمه حتى ابناؤه, سأحاول أن أصوغ ما التقطته اعيننا من صور و ما ذرفته من دموع في بضع كلمات , و سأكتب ما يشبه المذكرات عما نعيشه الآن في 31-5-2012 .
وسائل التقنية الحديثة سمحت لمن يريد معرفة حقيقة ما يجري في سوريا بالتوصل اليها , أو على الأقل الى جزء منها , باتت مشاهد "الفيديو" التي تعرض أقسى من أن تطاق ! هذا ونحن نراها من خلف العدسة , فكيف حال من يرونها في بثها الحي المباشر, كيف هو حال من يعيشها ! و كيف هم أطفال سوريا الآن و هم يتابعون مسلسل الموت دون أي مشاهد محذوفة على الأقل رئفة بقلوبهم الصغيرة !


ابناء الأجيال القادمة , أعلموا أن ما حدث في سوريا هو أمر يصعب على العقول ادراكه ! لقد طورت الحرب في نفوس أطفال سوريا و في جيناتهم قدرة غريبة على النضوج في ظل أشهر بل أيام !! لقد نست قلوبهم لذة الارتفاع في أراجيح  الحدائق و حب اللعب بعدما سكنت فيها لذة الارتفاع الى السماء و حبّ الوطن ! لذة الشهادة !

لا أدري كيف ينطق طفل بالعاشرة من عمره وهو مصاب محمول : "فداك يا وطني" ! فالبعض لا يستطيع أن يصدق النطق فيها حتى وان كان سليما من كل ضير ! ربما هي حجافل الشهداء تزف في كل حارة تلك التي علّمتهم , تلك التي ختمت مناهج العلم كلها بمشهد واحد ! ربما هي زغاريد أمهات الشهداء المعطرة بدموعهن تلك التي أنبتت بقلوبهم زرع الوفاء للوطن .. و لربما هي حرقة فقد الأب و فقد الأخ و الأخت و الأسرة هو ما ترك بأرواحهم لوعة تقترن فيها ولا تتحرر إلا بتحرر أرواحهم من اجسادهم.

أما عن الشباب , فيغني الشاب لحن الحرية لشهيد , فيغدو شهيدا. و يوثق المصور والمخرج والصحافيّ قصة بطل , فيصبح بطلا . ويحمل يوما على أكتافه نعش شهيد , فيحمل بالغد على الأكتاف , و يرفع فوق الرؤوس ! لقد عرف شباب سوريا ما عرفه شباب فلسطين من متعة قول "الله أكبر"  تصدح وسط صوت الرصاص , تلك العبارة التي تحتقر كل ظالم وكل جانٍ وكل من تخلى عن نصرة أخيه , تلك العبارة التي تهز الأفئدة , و تصنع في الجو غماما لا يخترقة رصاص أقوى اسلحة البشرية !

رجال سوريا و نسائها ضمنوا الشفاعة ! فكل منهم صار له شهيد من قريب أو من بعيد ! لم تعد الأم تسأل عما اذا كان قد استشهد ابن لها , بل عن عدد الأولاد الذين ودعتهم . و لا يسأل الأب عما اذا كان قد عاش  تجربة دفن الحبيب, بل عن عدد الأحبة الذين أهال التراب عليهم ورطبه بدموعه !

سمعت الف مرة صرخات عتب على العرب.. وصلتني ألف صفعة لوم من اخواننا يشكروننا على حسن دعمنا لهم ! وفي كل مرة كنت أشعر أنني أنا التي يدعى علي عندما يدعون على من خذلهم من العرب و المسلمين .. إلا أنني كان لا يسعني سوى ان أتابع ما أستطيع فعله ! افتح المزيد من ال"الفيديوهات", أشاهد المزيد من المصائب, أصلي , أدعي ..و أختنق بسلاسل  حدود البلاد و السياسات التي بيننا والتي تشعرني بالعجز, بالضئآلة , و بالشلل التام ! والأهم بعدم القدرة على أن أحظى على الأقل بمغفرة من أبناء بلادنا .. أهل سوريا العظماء ..

هذا ما يحدث الان في الأردن في 30-5-2012 !!
سامحيني سوريا !!!

 بـيـــان الكـســــــــيح




الأربعاء، 30 مايو 2012

نسمات الماضي


بينما نشق طريقنا عبر لحظات الحياة ... ونخطو خطانا عبر ساعات العمر... بينما نجتاز الأيام والأشهر والسنوات نعيش مواقفا و مشاعرا و عثرات ...
بينما نعيش وسط أوضاع نجتازها بصعوبة أو سهولة ... تضيع اللحظات...
لماذا يبدو الماضي أحيانا حلما صعب المنال ! ولماذا لا نستشعر باللحظة باللذة التي نتمنى العودة لها عندما نذكر اللحظة ! لماذا قد نعيش اللحظة دون الشعور بها , بينما نعيش تلك اللحظة ذاتها بلذة ساحرة عندما تصبح ماضيا , وعندما يكون العيش هنا داخل الخيال ...
لماذا يتقارب الماضي تقاربا شديدا من الحلم يجعلنا نشعر بحرقة أليمة على ما أضعناه ! حتى ما نعيشه الآن , حتى هذه اللحظة الآنية لماذا لا نستطيع استشعار قيمتها الفعلية اإلا بعد فوات الأوان !!
كم نتمنى أن نرى ما رأينا , و نسمع ما سمعنا وتخطو خطوات الخاطي بجانبنا لتنعش قلوبنا كما عشنا وكما انتشينا ... كم من مرة تمنينا بها بأن يعود الماضي الينا ...
هل عشنا الماضي على قدر من التقدير له كما نشعر بغلاوته الآن ! هل أعطنيا للأشخاص حقوقها من المحبة كما نشعر بالشوق لهم الآن ! ربما إن عدنا للماضي لن نشعر بذات الشيء..لأنه بتلك اللحظة سيكون حاضرا عاديا مملا كالذي نتهرب منه الآن !!
لكنني على ثقة بأن الماضي ذاك هو رحلة جميلة مريرة نعيش بها كلما سرحت بنا أخيلتنا لتعلّمنا أن نعود للحظتنا , و أن نجد الحاضر عالما جميلا و فرصة ثمينة لن تعاد ...
ربما خلق الماضي أشبه بالحلم كي نستأنف ذلك الحلم و نسعى لعيشه مرة جديدة لكن بروح أكثر تقديرا له ..
ذلك الخيال , هو ذكريات لتحيي من نسينا , و لندعي لمن فقدنا , و لنعطي كل ذي حق حقه و إن كان ذلك الحق هو عبارة عن لحظة من التذكر ... ونسمة من رياح الماضي...
قد لا يستحق , و قد يستحق .. لكننا نحن هنا من يستحق ... فكل منا يستحق بأن يعيش اللحظة مع من أحبه من جديد, و أن كانت تلك اللحظة حلم أو ذكرى أو مجرد خيال...




                                   

                              بـيـــان الكـســــــــيح



الثلاثاء، 29 مايو 2012

خاطرة ..


مددت يدي الى الأعلى من النافذة العلوية للسيارة ... صفعها الهواء , و اعادها الى الخلف ..
تذكرت صفعات الحياة التي نصاب بها ,,
نظرت للأعلى , فإذا بنجوم تظهر , كانت يدي تغطيها ..

لا تصفعنا الحياة الا لتعطينا الفرصة لنرى الأجمل .. فلنعطها الفرصة للتوضيح :)




                                                         

                                                           بـيـــان الكـســــــــيح


الجمعة، 25 مايو 2012

رحلة في نعم الله


عندما أحتاج إلى حنينه, يتغمدني برحمته. عندما أحتاج إلى السند, يحيطني بعنايته . أتلذذ بندائه, بالأذآن , بالقرآن و بكل ما يوصل اليه ...
هذا هو الرحمن .


الهي .. تضمني نسمات كونك اللطيفة , تذكرني برحلتي مع عامي الذي قربني اليك . هناك تحت ضوء الشارع الذي ينسل من نافذة 
شباكي , و بجوار تختي المؤرَّق جلست لأناجيك , أشكو لك المشاقّ و التعب و الإرهاق . أدعوك يا
معين , يا سامع الأنين , أكاد ارفع رايتي البيضاء من طول المسير , يا رب هون علي الصعب ويسر لي العسير .

هناك , و تحت ذاك الضوء الخجول سقيت أرض غرفتي بدموع لا يعلمها إلا أنت , لجأت إليك يا الهي فحفظتني و قوّيتني
و شحذت همتي المعلولة و كنت لي النصير .. لن أنسى رقة استجابتك , و حكمة إغاثتك... كالصوت المنير لغياهب
الوحدة , و شبه ارتواء بعد عطش ينسينا ما كنا فيه.

مولاي ,عرفت فيك كل شيء و بقي كل شيء. تعلمت عنك أعظم الأمور, و بقي أعظم الأمور . لن ينتهِ فيض الكريم ولن يكتنفي منه البشر . فأنت من تخلق, و اليك من يُخلَق . علّمتنا و فهّمتنا و بقيت فوقنا العليم . منك السلام ,أنت السلام يا خالق النجوم , و الأرض و الأنام .

أيا رب العباد حاولت أن أخبر الورق عن معجزة أبدية , و منحة عالمية , ليست حصرا على أحد و لا ينتقص منها أحد , و اسمها الدعاء ...
شكرا أيا ربي السّميع ... شكرا على الدعاء...






















                                           بـيـــان الكـســــــــيح


ثمّ سكت !



كان يحدثها على الهاتف  , أغلق كل واحد منهما السماعة بابتسامة مختومة بشيء من الحرقة و كثير من اللهفة , حرقة لأن كل منهما كان يرغب أن يبوح للآخر بصريح مشاعره , لكن كبريائه منعه . و لهفة ليعيد الآخر الاتصال ويبوح بصريح ما في قلبه , دقائق معدودة و اذا بهاتفها يرن ..
-ألو ..
ثمّ سكت !

---------



تناوشا قليلا على من سيوصل ابنهما الى المدرسة , و انتهى النقاش بقرار منها بأخذه معها و ايصاله في طريقها الى العمل. هدئت العاصفة قليلا بعد هذه المساومة , خرجت من بيتها , و سارا بالسيارة بضع أميال , لاحظت أنه لم يضع الحزام , همّت بتوبيخه , لكنها سكتت !

--------------------


كان اطلاق نار عشوائي الطريقة صفر الانسانية ذاك الذي أصابه , اطلاق نار و انتهت قصة خطيبين متحابين على بدايات الطريق ! وكان تفجير بسيط المنشأ عظيم المفجع ذلك الذي سرق طفلها منها و سرقه حتى من الموت فسبقه ! بهذه الهمجية خطف الانفجار الطفل , وان لم يكن سرق روح امه فهو لابد سرق مهجتها و امكانية إسعادها  لمدى حياتها ! ذلك الانفجار الذي فجر في قلب زوجها ألف حقد , و أشعل في جنباته ألف حرقة ! و ملأ جوفه بالتساؤلات و الميل العظيم للثأر !

 لم تعد هذه القصص تحتاج للكثير من الخيال لكي تصاغ , و لا للكثير من مرونة التفكير كي تصدّق ! إنما قصصي هذا هي كالأفلام المبنية على القصص الحقيقية , و التي مهما ضعف مستواي السرديّ المتبع بها فيكفي للقارئ أن يتخيل أنها حقيقيّة! فيدرك رقّة العالم الذي نعيش فيه !

من الطبيعي أن يخطف منا الموت بعض الشخوص بين الحين والآخر , و من سنن الحياة أن تتنوع أساليب الموت و معطيات حكاياه ,إنما ليس من الطبيعي أن يصنع الموت بأيد فانية , و أن تعيش فئة من الناس على تشييع موتاها ,و أنّ يكون ما نوّع أساليب الموت هو تنوع الأمراض النفسية لدى القتلة عديمي الضمير ..
ليس من الطبيعي أبدا أن تتكرر قصصي في كل حي من أحياء سوريا , و أن تهبط دموع أهالي الشهداء بعدد نقاط الأحرف المكتوبة و غير المكتوبة ! و أن نقرأ الحكاية , فنغلق الكتاب , و نبحث عن قصة أخرى نتسلى بها .
سأكتفي بهذا , و أسكت أنا الأخرى !




                                                                        

                                                              بـيـــان الكـســــــــيح