السبت، 21 يوليو 2012

رفاهية الشرود


"هؤلاء الذين يصرون على الجلوس بمحاذاة النافذة ... أكثر الناس الذين لو سألتهم عن تفاصيل لا يعرفون الطريق"

    لم أعرف يوما الإجابة عن اسم الشارع أو المنطقة التي نمر فيها عندما كانت أمي تسألني على حين غرة عن ذلك , أملا بأن أحفظ الطرقات . لا زلت أتوه بين الحين و الآخر عندما أحاول الوصول إلى أماكن قد أكون قصدتها عدة مرات قبل ذلك , ذلك لأنني لم أقد بنفسي اليها , و إنما كنت راكبة , و أنا اذا ما كنت راكبة أفقد الإحساس بالاتجاهات, و أعيش حالة من الاستمتاع برفاهية الشرود.

   ما ان تتحرك المركبة , أيّا كان نوعها ,و مهما كانت وسائل الراحة المتوفرة فيها أتحرك أنا الأخرى الى عالم آخر .. أعبر جسر الزمان الى الذكريات , ثم أتعلق بحبال أقفز بها إلى ضفة المستقبل , و أعود أحيانا الى الحاضر , ولكن في خيالي .. فأشتاق , و آمل , و أحلم , و أعيش ..

أعيش مشاعر عشتها , وقد أعيشها , و آمل أن أعيشها . فإذا ما  وصلنا استفيق على مضض .

    أحب أحيانا أن ألقي نظرة على الناس داخل السيارات و الحافلات , أرى في نظرتي تلك أقصوصات من حياة بعضهم , و لمحة من حاضرهم , و "براشيم" نحتال بها لنلتقط جزءا من ملامح مستقبلهم . أرى من يقود السيارة و يقود معها خلافا محتدما بينه و بين من بجواره . و هناك من يقودها محاولا الموازنة بين تصفيقه و انطرابه مع الأغنية التي يسمعها , و بين القيادة . وهناك غيره من يقود و يضع تركيزه في قيادته حتى يطيب المشوار لمن معه , فيضحك ان ضحكوا  , و يفرح ان صفّقوا  ..
كلنا في النهاية قد نقف على نفس الإشارة الضوئية , كلنا .. بصغيرنا و كبيرنا و مريضنا و سليمنا .., نقف بجوار بعضنا , فنمشي باتجاه واحد , أو تفترق بنا الطّرق, و قد نعود من جديد على مفارق أخرى في الحياة , أو قد تكون تلك النظرة هي آخر ما نراه و آخر ما رأيته من أولئك الأشخاص ...

  أحب أن ابتسم للأطفال اللذين لا يحسنون –مثلي- التركيز في الطرقات , و إنما يتباينون بين من يرى في المسير متعة , و بين من يرى فيها مللا أو فرصة رائعة للنوم , فأضحك مع من يستمتع , و أحاول أن أرفّه عن من قد ملّ , و ألتمس السلام من الذين اختاروا النوم ..
   أحبها , متعة الشرود في الطريق ... و أحب سعة الخيال التي تمكنني من عيشها .. و لذلك أسامح نفسي و لا ألومها كلما ضللت -لشرودي سابقا -عن الطريق..


                                                               بـيـــان الكـســــــــيح




هناك 4 تعليقات:

  1. و أخيرا عرفت سبب عدم حفظك للطرق !! =)

    كتيير جميلة !! <3
    بدايتها حبّيتها !!

    و حبّيت مقطع
    "كلنا في النهاية قد نقف على نفس الإشارة الضوئية , كلنا .. بصغيرنا و كبيرنا و مريضنا و سليمنا .., نقف بجوار بعضنا , فنمشي باتجاه واحد , أو تفترق بنا الطّرق, و قد نعود من جديد على مفارق أخرى في الحياة , أو قد تكون تلك النظرة هي آخر ما نراه و آخر ما رأيته من أولئك الأشخاص ..."
    عنجدحلو ... !! و اصلا هاي الفكرة كتيير بتخطر عبالي !! مثلا لما أركب ب تاكسي .. بقول يمكن آخر مرة رح أشوف هاد الانسان ! أو لمّا اكون بتطلع على الماشيين كيف كل حدا بكون ب بالو اشي و الو وجهة معينة .. و هدف بمخّو حالي و مستقبلي !!
    أحييك يا صديقة !!
    دامت ابداعاتك ! :))

    ردحذف
  2. العبارةالأولى مقتبسة :)
    فعلا .. أمر يدعو للشرود :)
    شكرا يا صديقة ^^

    ردحذف
  3. يعني هذا يغفر لك .. لكن بس شوي P=
    و المرة القادمة سأقطع لك شرودك - على الرغم من معرفتي لمتعته - حتى أذكرك بأن إستمرارك به سيتسبب بشرودك لكن هذه المره عن الطريق ! D=

    رائعة بالمناسبة !

    ردحذف
  4. هيهيهيهي ..
    حاولي و سنرى ما سيحدث p=
    شكرا ^^

    ردحذف