منذ الطفولة اعتدنا على
التفكير في الأمور باتجاه واحد . .
دخلنا المدرسة كما يجب أن
نفعل , درسنا فيها ما يجب أن ندرس.. نقوم بكل الأمور لكي نحصّل شيئا واحدا : رضى الناس ! وخاصة ذوي الشأن
منهم .
و من أعلى شأننا في عيون
الطفل من معلمته ؟ و من يسترضي إن لم يسترضها؟
أذكر أنا تعلمنا استسقاء الرضى بطريقة تُعنى حتى بالتفاصيل , فجأة عادت بي الذاكرة
إلى أمور غريبة كنّا نتّبع هذا المنهج الفكريّ فيها , وهي أننا كنا نتبع
رغبات المعلمة حتى في لون القلم الذي نكتب به ! أين ؟ في دفاترنا !!
كانت تدخل المعلمة تلو
الاخرى بسلوك متشابه : "التشرُّط" . تخبرنا عن مواصفات الدّفتر
المثالي الذي تحلم بتصحيحه في كل شهر , عدد الصفحات , طبيعة الرسومات على الغلاف,
طبيعة الدفتر ككل - بسلك ام بدون- . بل أنّها, إن لم تخنّي الذّاكره , كانت تختار
القلم الذي ترتضيه لنا -حبر أم رصاص - و لا نملك إلا أن ننصاع لذوقها الخاص
في تصميم الدفاتر . .
أفهم أن تطلب المعلمة منا دفترا بطبيعة
معينة ليسهل عليها حمل الدّفاتر اذا ما اجتمعت آخر كل شهر , رغم أنّه ليس بالأمر الجلل
, إلا أنه على الأقل الأكثر منطقية بين المتطلبات .. إذ أن الكثير من الأمور الأخرى
لا تحمل معنىً سوى أنّ المعلمات كانت تدلل نفسها قليلا على حساب الطلبة المغلوب على
الدّافع الدّاخلي للرفض عندهم , والمعتادين على الانصياع دون الاعتراض . و تأكيدا على
هذا , فقد تلاشت هذه التّشديدات مع تقدمي في المراحل العمريّة , حيث يبدأ الطالب بإدراك
فكرة : "وإحنا ليش مجبورين نجيبه ع كيفها ؟"المعلمة فعلا لن ترى الدفتر إلا
بالمناسبات الحزينة و لن أقول السّعيدة , لأننا كنا نتحضر للحظة لمّ الدّفاتر بطريقة
"لحق حالك" خاصة يوم الحصاد الذي تكثر فيه عمليات التصوير البشري والنّسخ
اليدوي لصفحات الدفاتر الأكثر سمنة .. المهمّ أنها لن ترى الدفاتر إلا قليلا , ومن
المفروض أن يكون هذا دفتر الطّالب, و بوابته لملاحظاته الخاصة في المادة ,الشأن شأنه
وليس المعلم ! علاقة المعلم به المتابعه ليس إلا , لا اختيار العفش !
"- دفتر محاضرات ابو
جلدة , 40 ورقة , مش سلك طبعا . ."
لم أشر للأمر لقيمة الدفتر
المجردّة فحسب , إنما لأشير لفكرة عميقة ما وراء القصة , فكرة لا ندركها في حين
نصاب بآثار تبعاتها . فكرة اعتدنا على الانسياق لها ولو بلا وعي : ارضِ الناس . .
ننتقل من المدرسة للجامعة
لنجد أنفسنا في دوامة الإرضاء ذاتها , هذا الدّكتور يفضّل المطبوع , هذه الدكتورة
تصاب بحالة هستيرية إن وجدت آثار خط القلم على ورقة الاسئلة ! هذا الدّكتور يعتمد
مادة الدوسية , وذاك لا يرضى إلا بالشيء الفلاني . . يبدأ موسم تشكيل الأسر فترى
في البعض تغيرات تحدث في سبيل ارضاء أهل الطرف الآخر .لا الطرف الآخر ولا الأول
نفسه , وهكذا ..
نكبر , ونجد أنفسنا غير
قادرين على تحديد إجابة لسؤال مهم جدا , هذا إن صادفتنا فرصة طرحه على أنفسنا :
ما الذي يرضينا نحن ؟
ماذا نريد ؟ و بماذا نكون سعداء ؟
نجد أنفسنا في معزل عن
معرفة ولو شيء من إجابات اسئلة بسيطة تخص كينونتنا , مثل : ما هواياتك ؟ ماذا تحب ؟
ماذا تريد أن تصبح ؟ و نلوم أنفسنا التي ضيّعت معرفة كهذه بين صفحات الكتب التي و
إن عدنا لها فسنجدها تخص كل العلوم إلا التي تهمّ فعلا ..
لا جرم أننا أقدر على
معرفة مواصفات الدفتر المثالي للمعلمة الفلانية أكثر من مواصفات المستقبل الذي
نريده لنا .. فهذا الأمر أهم فعلا . .
وما نفع النظر لدواخلنا ؟
سعادات من حولنا أهم . .
ومن يحضر لنا دفتر حياتنا
المثالي ؟ لا أحد ..
فلنجمّل حياة الآخرين على حساب أنفسنا , و لن ترضى عنك الناس مهما حاولت .
.
بـيـــان الكـســــــــيح