السبت، 19 سبتمبر 2015

الصفحة الممزقة - لوم

الأمر لا يعنيك فلا تسألي عنه ! ضقت بك ذرعا و بكل الاضطرابات غير المبررة التي تعتلي وجهك كلما قاطعت انشغالك بشيء هذا الاسبوع ! وصديقتك التي غادرت بيتنا قبل قليل تلك , ألم أقل لك أني لا أرى بها أي خير من الذي تدعينه
سأغادر , و أتمنى ان لا أجدك هنا عندما أعود . فلتريحيني منك !من حقي أن اريح رأسي , إن كان من حقك معرفة إلى أين أذهب ! 

يجفلها صوت ضرب الباب الذي لم يعطها به وقتا للتفسير رغم أنها توقعته . ماهر هو بإغلاق كل الأبواب بوجهها , فالحياة التي بدأها بغلق أبواب التفاهم والمحبة بينهم بابا تلو الآخر لن تستغرب بها بابا آخرا مغلق في وجه تفسيرها المنكسر
.
تشيح ستارة الدمع التي خنقت عينيها لترى رسالة صديقتها : " اسمعي طبعا زي ما توقعت , أكلت بهدلة عشان طولت عندك بس فداكِ ههههه .. ابقي احكيلي كيف ردة فعله بس يشوفهم :D "
ترمي هاتفها على الطاولة ليجاور بطاقتا الحفل اللتين وضعتهما على مرمى نظره المعميّ إلا عن عيوبها . تبكي أكثر , ثم تحمل البطاقتين ..
" كان لازم أحطهم بمكان أحسن .. الحق عليّ " 

بـيـــان الكـســــــــيح







بـيـــان الكـســــــــيح

الاثنين، 14 سبتمبر 2015

حروق

شيء من السكوت يسكنها و هي تراقب الغادي والرايح . هو ليس سكوتا مفردا , هو هدأة مع حسرة مع ألم مع حنين مغلف بغلاف راق أسموه السكوت  .

كانت ترى بكل أيد مشبوكة  وحدتها تتأصل أكثر وأكثر . وتراقب أيامها تمضي كما يمضي كل من حولها , بصخب وعجل . تتلمس بخيالها حروق وجهها وتطأطئ رأسها بيأس .
   كيف منح العالم نفسه حق تقسيم الناس بناء على ما حدث وليس ما سيحدث لهم ؟ يرهقها السؤال الذي يعتلي حصان الثورة على الحياة فتنزل منه بهدوء و تجيب " ألم أكن لأفعل الشيء المماثل لو لم يحدث ما حدث ؟ " . " كم كنت متغطرسة وحاقدة على عالم يعطي المشوه ما يعطيه للسليم ! كم ظننت أنني حصلت على ما كنت به بقدرة مني , و كم نسيت أن ما كنت فيه كان هبة من الله  " .
   يعود بهال النّدم إلى تلك الحوارات التي جلست تدافع بها عن حقها باختيار من لم يُصب بأذى قط دونا عن غيره . و أنها يحق لها أن تحصل على ما تريده لأنها بذلت الكثير لكي تحصل على ذلك . تعود بها الذكرى لحروفها التي لم تكن تدرك كم كانت تحمل من فخر بذات لم تصنها إلا بعون الله وليس بقدرة منها فحسب , بل أن القدرة بذاتها لم تكن لتكون لولا عطاء الله .
   تقرر أن تهرب من التفكير الآسر , تنهض و تلتفت يمينا بحثا عن أختها التي كانت قد دخلت المتجر . تتلاقى عيناها بعيني سيدة ترميها بابتسامة , وفي عينيها انعكاس لصورة الصبية بوجهها الصافي الجميل .
ترد الابتسامة بأخرى يبطنها اليأس , وتمضي .


بـيـــان الكـســــــــيح

السبت، 12 سبتمبر 2015

الصقحة الممزقة - مظلة

ظلّ جالس والماء يتساقط من أطراف مظلته الهرمة , و الدّمع يسقط معه . ضجيج صوت المطر يختلط بصوت والده يعود به قرابة ال15 عاما وهو يقول له : " هو إنت أصلا في حدا بطيقك !! " 

   ظل هناك , لوحده . لا يدري أيهما يأكله أكثر , فكرة أن عبارة والده قد أثبتت صحتها من جديد بقصة حب فاشلة . أم فكرة أنه اتخذ من حبها  تحدٍ لكل من أحبوه فعلا ليثبت لمن لم يحبه يوما أن أحدا ما قد أحبه بدلا من أن ينشغل بحبها بالمقابل !
   الماء يجري أسفل منه , والفكر يجري في مختلف أرجاء الأزمنة , بين ماض و حاضر و مستقبل لا يبصر فيه ولو بصيص أمل ! شيء ثالث يجري في تلك اللحظة . . بل هو شخص ! يرفع رأسه ليرى . .
- "مريمة ! "
يرقبها تقترب منه , تحمل معطف أخيها الذي كانت تتلقى منه الهجمات الدائمة لأجله وتركض به نحوه .
- " تعال شادي , بابا حكالي ماشي , روحي ناديه ..  خلص , رح اسمع منه .. "
يرفع بصره قليلا ليرى عينيها .. تلك القريتان اللتان لطالما وسعته و أسكنته فيهما وحنت عليه , ولطالما خيبها . عادت تدفء روحه من جديد بعد أن أحياهما بفيضانات كثيرة وسط ابتلاءات دمعيّة غزيرة . تعود لتجبر كسره بعد كل ما فعله بها . .
يخفض نظره بندم و خجل
-  " مريم  أنااا  . . "

-  "يالله يا شادي , هلأ بابا بيستعوقني , و إنت عارف عمك و قلقه .. "
يمشي معها تحت المظلة ذاتها التي خبأت دموعها ذات شتاء , يقف بمنتصف الطريق , ينظر إليها .. تنظر إليه 



بـيـــان الكـســــــــيح

الصفحة الممزقة - الخبر

ركضت إلى غرفتها تخبئ ما حلّ بملامحها من تخبط بعد أن عرفت بالخبر . أخذت تجول فيها أماما و خلفا , يمنة و يسرة كهائم في صحراء لا يعرف لها نهاية
تستهلك بجريها و حركتها اللامنقطة كل جزيئات الانفعالات اللامفهومة التي خلفتها معرفتها تلك و تحاول أن تستوعب :
أهي حزينة , فعلا؟ أهي متعجبة مما حدث فحسب ؟ أهي متأثرة بما حدث أم أن هذه هي طريقة دماغها و روحها بمعاقبتها على حالة اللَّبس التي وضعتها بها ؟ على كل تلك الارباكات الصغيرة التي خاضها عقلها مع قلبها وهو يحاول أن يستوعب إن كان ما يعتليها حقيقة أم من نسج خيال. وكأن كل شيء فيها يحاسبها على لعبة الحب تلك التي أقحمت ما فيها فيها دون أن تصوغ يوما بيانا واضحا عما إذا كان ما بها فعليّ أم شطر حكاية .
 جلست على حافة التخت , تشبثت بحافته , وتنفست ببطء . . " لا عليك" تقول لنفسها .. "لا عليك" .. " لم أحبه يوما فلماذا أخاف على حبنا أن يضيع ؟ كيف يضيع ما لم يكن موجودا منذ البداية ؟"
وقفت , أعادت ترتيب فستانها ومشاعرها , قومت ظهرها و خرجت  

بـيـــان الكـســــــــيح








الثلاثاء، 1 سبتمبر 2015

ومن يحضر لك دفترك


منذ الطفولة اعتدنا على التفكير في الأمور باتجاه واحد . .
دخلنا المدرسة كما يجب أن نفعل , درسنا فيها ما يجب أن ندرس.. نقوم بكل الأمور لكي نحصّل شيئا واحدا  : رضى الناس ! وخاصة ذوي الشأن منهم . 
و من أعلى شأننا في عيون الطفل من معلمته ؟ و من يسترضي إن لم يسترضها؟

أذكر أنا تعلمنا استسقاء الرضى بطريقة تُعنى حتى بالتفاصيل , فجأة عادت بي الذاكرة إلى أمور غريبة كنّا نتّبع هذا المنهج الفكريّ فيها , وهي  أننا كنا نتبع رغبات المعلمة حتى في لون القلم الذي نكتب به !  أين ؟ في دفاترنا !!
كانت تدخل المعلمة تلو الاخرى بسلوك متشابه : "التشرُّط" . تخبرنا عن مواصفات الدّفتر المثالي الذي تحلم بتصحيحه في كل شهر , عدد الصفحات , طبيعة الرسومات على الغلاف, طبيعة الدفتر ككل - بسلك ام بدون- . بل أنّها, إن لم تخنّي الذّاكره , كانت تختار القلم الذي ترتضيه لنا -حبر أم رصاص -  و لا نملك إلا أن ننصاع لذوقها الخاص في تصميم الدفاتر . .

أفهم أن تطلب المعلمة منا دفترا بطبيعة معينة ليسهل عليها حمل الدّفاتر اذا ما اجتمعت آخر كل شهر , رغم أنّه ليس بالأمر الجلل , إلا أنه على الأقل الأكثر منطقية بين المتطلبات .. إذ أن الكثير من الأمور الأخرى لا تحمل معنىً سوى أنّ المعلمات كانت تدلل نفسها قليلا على حساب الطلبة المغلوب على الدّافع الدّاخلي للرفض عندهم , والمعتادين على الانصياع دون الاعتراض . و تأكيدا على هذا , فقد تلاشت هذه التّشديدات مع تقدمي في المراحل العمريّة , حيث يبدأ الطالب بإدراك فكرة : "وإحنا ليش مجبورين نجيبه ع كيفها ؟"المعلمة فعلا لن ترى الدفتر إلا بالمناسبات الحزينة و لن أقول السّعيدة , لأننا كنا نتحضر للحظة لمّ الدّفاتر بطريقة "لحق حالك" خاصة يوم الحصاد الذي تكثر فيه عمليات التصوير البشري والنّسخ اليدوي لصفحات الدفاتر الأكثر سمنة .. المهمّ أنها لن ترى الدفاتر إلا قليلا , ومن المفروض أن يكون هذا دفتر الطّالب, و بوابته لملاحظاته الخاصة في المادة ,الشأن شأنه وليس المعلم ! علاقة المعلم به المتابعه ليس إلا , لا اختيار العفش !
"- دفتر محاضرات ابو جلدة , 40 ورقة , مش سلك طبعا . ."

لم أشر للأمر لقيمة الدفتر المجردّة فحسب , إنما لأشير لفكرة عميقة ما وراء القصة , فكرة لا ندركها في حين نصاب بآثار تبعاتها . فكرة اعتدنا على الانسياق لها ولو بلا وعي : ارضِ الناس . .
ننتقل من المدرسة للجامعة لنجد أنفسنا في دوامة الإرضاء ذاتها , هذا الدّكتور يفضّل المطبوع , هذه الدكتورة تصاب بحالة هستيرية إن وجدت آثار خط القلم على ورقة الاسئلة ! هذا الدّكتور يعتمد مادة الدوسية , وذاك لا يرضى إلا بالشيء الفلاني . . يبدأ موسم تشكيل الأسر فترى في البعض تغيرات تحدث في سبيل ارضاء أهل الطرف الآخر .لا الطرف الآخر ولا الأول نفسه  , وهكذا  .. 
   نكبر , ونجد أنفسنا غير قادرين على تحديد إجابة لسؤال مهم جدا , هذا إن صادفتنا فرصة طرحه على أنفسنا :
ما الذي يرضينا نحن ؟ ماذا نريد ؟ و بماذا نكون سعداء ؟
نجد أنفسنا في معزل عن معرفة ولو شيء من إجابات اسئلة بسيطة تخص كينونتنا , مثل : ما هواياتك ؟ ماذا تحب ؟ ماذا تريد أن تصبح ؟ و نلوم أنفسنا التي ضيّعت معرفة كهذه بين صفحات الكتب التي و إن عدنا لها فسنجدها تخص كل العلوم إلا التي تهمّ فعلا ..

لا جرم أننا أقدر على معرفة مواصفات الدفتر المثالي للمعلمة الفلانية أكثر من مواصفات المستقبل الذي نريده لنا .. فهذا الأمر أهم فعلا . .
وما نفع النظر لدواخلنا ؟ سعادات من حولنا أهم . .
ومن يحضر لنا دفتر حياتنا المثالي ؟ لا أحد ..
فلنجمّل حياة الآخرين على حساب أنفسنا , و لن ترضى عنك الناس مهما حاولت . . 


بـيـــان الكـســــــــيح