الجمعة، 29 مايو 2015

فنون


من نعم الله تعالى أنه أعطانا اختلافات , اختلافات حتى بالطريقة التي نعبر بها عن ذواتنا و أحاسيسنا . ذات الاحساس الذي يدخل كل واحد منّا ينتشر بطرق مختلفة كضوء يتبعثر بالمنشور .
فيظر على شكل لوحة يرشق الفنان بها بقع إحساسه على قماش اللوحة . و يرتب بها مشاعره بريشته على شكل صورة , و يتمايل بها بين طرقات قلبه مع كل ميلان في الرسم , ويحتد فكره مع كل خط واثق عريض .

أو ترتسم تلك المشاعر بشكل شيء لا مرئي : على شكل مقطوعة موسيقية , فيضرب العازف على النوتة بقوة حيث ضرب به الألم , أو يسرع التّنقل بين نوتة و أخرى حيث أسرعت المشاعر في خلجات نفسه . يتوه لحنه حيث تاه و تاهت به الدنيا . ويستقر بثقة حيث رست مشاعره على برّ المعرفة لما يريد .

قد تشكل تلك المشاعر نوعا آخر من الفن . مسرحية مثلا , أو مشهد دراميّ , بصمته أو ضجيجه , تصريحه أو تلميحه . فيصيب مواطن القصص الشبيهة في نفوسنا , فينتفض فينا الإحساس كما انتفض من قلب من شارك بصناعة المشهد , و قفز من قلبه للواقع . مع كل دمعة أو ضحكة , أو رقصة أو سكنة  . . نعيش أحاسيسا مع إحساس كتب في الماضي و نفذ و تم عيشه في الحاضر . 

و قد يظهر الاحساس على شكل خاطرة . مؤلف طال أو قصر .  فتتحرك من سطر أو تتحرك من مجلد ! تتأثر بكلمة أو بديوان ! ويعود بك الفكر إلى ماضٍ , أو يحملك ببساطِ علاءي إلى خيال أو حلم . .  أو تعيش ما تعيشه بحاضرك بترتيب آخر للأفكار في دماغك , و نظرة أخرى لما تعيش , أو فهم آخر لما يدغدغ قلبك من مشاعر . تلك المشاعر التي تتخفى كطفل صغير شقي يلعب  قد لا تجده إلا عندما ترى نظيره قد تجلى على شكل حرف على سطر على ورقة . .

قد يظهر الإحساس على شكل انفعال تصنعه  المشاعر التي ضاقت بها قضبان الجسد , فتظهر على شكل ابتسامة لا يمكن صياغتها ولا بأي لوحة أو مقطوعة أو موضوع . أو على صورة دمعة يحيل على الانسان أن يمسك أبعادها الّنقية التي لا تسمح لأحد بأن يمسها ولو صياغة .

قد يظهر حينها أو بعد حين , يظهر ولو على شكل فعل . فعل يظهر قوة الإحساس و إن خرج من شخص لا تحمل ملامحه سوى الجمود !
قد يظهر . .  و لربما لا يظهر ..  لكنه موجود بمكان ما , وراء أغطية الملامح الشتوية السميكة , و خلف أعمدة الصّدر المتينة .. يتربص هناك كقطٍ منكمش  . .  يحتاج يدا حنونة تمتد لتسقيه , فيأمن , فيخرج و يخرج ما بقلوب الغير  . .





بـيـــان الكـســــــــيح


الاثنين، 25 مايو 2015

مجرة


#تقدُّم#2

نحن لا نكبر , فعليا , بعيون أنفسنا   . .

في إحدى دورات الحياة , وبعد أن وُضعت في موقف مشابه لآخر كنت قد عشته منذ مدة قد تقاس بالسنوات , توضح لي التالي , التالي الذي ساعدني لأفهم كثيرا من الأمور . . تلك الأمور التي عشتها بماض يشبه حاضرا لكنه لم يكن بذات الطريقة , ولم أعش به الامور بذات السلاسة  . . انه مبدأ المجرة .
تدور الكواكب بطبيعتها بمدارات  . و ندور في حيواتنا بمدارات كذلك . . قد يعود بك الطريق إلى ذات البقعة مرتين , فترى في نفسك أنك عدت إليها بحال واحد ; لم يتغير شيئا . لكن الكوكب المجوار سيلحظ تلك التأثيرات التي طرأت عليك خلال الرّحلة , سيرى ما لم تره أنت  ..
نحن لا نكبر ,فعليا , بعيون أنفسنا , لا نكبر
لا أثر يظهر في الروح لتقدم العمر , لا تركيبتها تتغير , ولا ملامحنا تتوضح , ولا يتغير صوت العقل فيها ونحن نحدث أنفسنا
نحن لا نعلم أننا كبرنا , حتى  وان راقبنا أنفسنا  , نحن نُعلم ولا نَعلم  ..

في داخل نفسك , أزعجك يوما كيف أُخرجت من جلسة لتجلس مع باقي الفتية  , 
في خارج نفسك , كنت طفلا لا يجدر بمن بعمره أن يعلم بالأمر . . 

في داخل نفسك , شعرت بالاستخفاف لأن كلامك لم يؤخذ به بحوار حاد , , 
في خارج نفسك , كان الصوت ناعما جدا والفكر بسيط . 

في داخل نفسك , كنت لا ترى سببا لكي يحدث ما حدث ! و لا تفهم لماذا لم يتكرر ذات الشيء بعد اللفة الثانية في الفلك !
في خارجها , أنت لم تعد ذات الشخص , صرت أكبر , و أعقل و أنضج
لم يحدث أن أبرزت مرآة روحك كل هذا التغيير  .  .
لم تكن تخبرك بأن الخدعة تكمن بأن بيت روحك يتغير , وأنه قد يعكس شيئا لا تراه في روحك  . .  وأن جسدك سيحتم على روحك أن تقبل أو تُرفض , أن تُسمع أو تصمَت , أن تُحَبّ أو أن لا تُرى تبعاً لما وصلت اليه   . .
لم تكن تعلم انك الآن في أعينهم صرت تسكن شابا او شابة , وكنت تسكن بيت الطفل ..


نحن لا نكبر , فعليا , بعيون أنفسنا , لكن نتقبل رغما عنّا ذاك الكبر الذي يراه بنا الغير  . فنصدقة , و نعيشه .

الأحد، 24 مايو 2015

ثياب كبيرة الحجم





أتدري يا صديق . .
ما يوجع في الكبر , هو ذاته ما أوجعك في الصغر . .
هو ذاته , بلباس أكبر , و كأن هذا سيخفف من وطأته .
كل ما في الأمر , أقسى ما في الأمر , أنه لم يعد مسموح لك بأن تظهر ذات الاستياء
ليس لك أن تبكي بمرارة
أن تصرخ بغضب ,
ستكون سخيفا إن أظهرت ألمك من أمر طفولي يرتدي ثيابا كبيرة الحجم
وستبدو ساذجا إن أرقتك أمور بهذه البساطة" كما يرون" . . 

هي المواجع ذاتها , ذات الخناجر
الخسارة , الفشل , الغدر , الانكسار ,
الخيانة , اللاكتراث , الظلم  , وأن تُنهَب
الإهانة , اللاتقدير , الأذى , الخذلان . . 
ذات المعاني,  قد تلبس ثياب طفل يخدعك ويتلاعب بك ليأخذ لعبتك
أو أربعيني   يخدعك,يتلاعب بك,  ليأخذ كل معاني الثقة التي بنيتها به .
ذات الألم . .لكن الأمر نسبي , فحجم وجع الممحاة المسروقة في الصف الرابع , بقلبٍ مازالت تخضرّ به المرابع يعادل أحيانا حجم الألم في قلب ستيني تركه ابنه , ولم يعد .
على الأقل , هذه الأوجاع معترف بها حتى في عالم الكبارإنّما هي تلك الأمور , تلك التي غادرت طفولتك و ما غادرتك . تلك التي ما زلت تحتفظ بها في داخل نفسك , لم تأتي مرحلة قطّ و يخبرك  أحد بها أن عليك أن تتركها في الصف المنهي .لم يعلمك أحد كيف تتحول منها إلى غيرها   . . كما علموك كيف تلف العقدة بالعقدة لتربط نعلك بدلا من أن تلصقه . .
لم تنتقل بيوم لتتكيف كما نقلوك من سرير الطفل الصغير إلى سرير الطفل "الناضج"
وذاك الطفل الناضج لم ينضج أصلا  . . كانت أضحوكة , خرافة نغسل بها أدمغة أبنائنا لنرغمهم على أن يصيرو إلى ما صرنا إليه :
كبارا , ناضجين , يتحتم علينا أن نمتلك سببا ضخما كافيا لكي نبكي
أو أن نمتلك حجة منطقية مقنعه لكي نضحك !
من أطفأ ذاك المصباح في غرفتي ذات ليلة على حين غرة و قال تأقلم ! لم اتأقلم بعد
وما زال بي ذلك الطفل الصغير
أشعل لي الضوء لو سمحت  . .



بـيـــان الكـســــــــيح






الجمعة، 22 مايو 2015

الصفحة الممزقة - وسائد



يقرّب وسادته قليلا لليسار . .
-" تعال جاي , هون الأرض أدفى "
يقرّب الآخر وسادته
- "شكرا يخوي "

كيف استطاع العالم أن بفرق وسادتين التقتا منذ اللحظة الأولى لوجودهما على الدنيا ؟ كيف فرقت المسافات بين من خلقا بلا مسافات ؟
فارق الأعوام الثلاثة لم يكن يوما سوى ثلاثة خطوات على الواقع , ولكن ما حصل استطاع أن يجعل ما بينهما ثلاثون عاما ! ثلاثمئة مدينة ! و ثلاثة آلاف خلاف .

- " خالد . . "
- " آه يخوي ؟ "
- " تسامحني ؟ "
يأخذ نفسها عميقا . يغوص في الأخدود العميق الذي سكن قلبه ساعة جمع ممتلكاته و قال له تلك العبارة و خرج .
- " خالد . . "
بهدئة الطفل  يحاول استجماع قدرة صوته على ايصال الحروف  .  . يغصّ وسط الدموع :
-"عيوني ؟"
- "لساتني عيونك يا خوي-خالد "
- " طول عمرك عيوني يا سالم  , و حتضل عيوني  . .  الله   يسامحك يا سالم  . الله يسامحك " 





بـيـــان الكـســــــــيح

السبت، 16 مايو 2015

معك



عندما تبتعد عن المكان الذي يكثر فيه الناس , بعيدا إلى حيث الأرض تشبه حالتها قبل أن يمسسها بشر و قبل أن تكتسيها العمران قد تجد شجرة أو نبتة نبتت وسط التربة والصخور , في منطقة ربما لم يعرف أحد عنها , نبتت دون أن يلقي أحد لها بالا , أو أن يكترث أصلا لوجودها . لكن الله رأى , فاعتنى . .
تعلم حينها أن الله لا ينسى كائنا من كائناته مهما كان بعيدا في أغلفة نفسه عن غيره , مهما كان وحيدا في حالته , متفردا في همه ..
الله يكفي عنه ما أهمه ,  وينبته و إن لم يكن يعلم أي المياه تصيبه و أي السّحب تروي عطشته. الله يدعم فروعه و يشد عضده و يوقف جذعه و يحفظ ورقه
الله معك وإن كنت لوحدك
لا ينساك , لا يغفو أو يسهو عن بلواك , لا ينسى ما بك وما أشغلك ,ما أسعدك و ما أشقاك .
الله معك , كما كان مع الشجرة في آخر بقاع البلاد ,
معك , فكن معه , واستشعر وجوده , واطمئن 

بـيـــان الكـســــــــيح





الثلاثاء، 12 مايو 2015

الصفحة الممزقة - الخطأ



وكأنه عادل ذوي الخمس سنين , بذات الانكسار ولضعف والدموع الساقطة . وأخبرها وهو ركع بين يديها عن كل ما حدث  .
  
    يبكي فتبكي أكثر . يستجدي عطفها الذي رمى به بعرض الحائط منذ 30 عاما , و استبدله بعطف فتاة اسبانية ضيق الصّلاحية . يطلب منها عفوا لم يستطع أن يعطها إياه قبلها على أمر لم تفعله أصلا! ويرجوها لأن تعيده لحضن نسي كم بذل لأجله , و كم حنا عليه طوال نشأته .
  
    لم يعطها مجالا لأن تخبره بأنها أعطته كل ما طلبه , كل ما يتذلل له , العطف و والسماح والأحضان الكثيرة بعد لحظات فقط من بكائها لحظة خروجه من المكان يومها , و أنها , من يومها , كانت تبعث له ببرقيات من الدّعاء والحبّ اللامنتهي , والعناقات الطويلة  والرحمات . وعبراتها تخنقها عن أن تخبره بأنّها لم تنسه يوما رغم نسيانه  . و لم تحقد عليه رغم الأحقاد التي كبّلت قلبه , و أحجبت عينيه عن رؤية الحقيقة .

  

  مسح وجهه محاولا تمالك نفسه .  "سامحيني يمّه " . .
وإذا برنين من جهاز المراقبة بجانبها يجلب عشرات الممرضات و الأطباء حولها بأقل من دقيقة  . قام في دهشة يستفسر عمّا يحدث , فأبعده الممرض الذي








بـيـــان الكـســــــــيح

الاثنين، 4 مايو 2015

ضلك حاول

( إِنَّ الله عزَّ وجَلَّ يقْبَلُ توْبة العبْدِ مَالَم يُغرْغرِ ) حديث صحيح . .

إنّ في طريقة الله تعالى بمحاسبتنا على ذلك العقد الخفي الذي نبرمه معه بأن نطيعه فلا نعصيه  أمرا يرشدنا للطريقة التي نعامل بها أنفسنا في المهام الدنيوية المختلفة , فالله جعل في قانون الغفران أمرا قد لا يبين لنا انعكاسه على باقي الأمور ; ألا وهو : " ضلّك حاول " !
 "ضلك حاول" , مهما عدت للذنب , مهما حدث من أمور تجعلك ترى في نفسك شخصا غير مؤهل للعودة , ضلك حاول !
حاول , فطريق الله مفتوح ما دمت تعود , و ما دام النبض فيك ينشد اسم الله و يبتغي قربه . حاول , فالله لم يرفض أبدا شخصا يعود إليه , بل إن الله يحب التائبين و يفرح بإيابهم المتكرر ..

وفي هذا ترى أن الله يعلمنا أمرا يصلح لكافة أمورنا الدّنيوية : لذلك الحلم الذي لم تدركه بعد , والمشروع الذي لم تنصفه بعد , للأمور أبسطها و أعظمها . لامتحان لم تقرأ يوما من صفحات مادته , وأمور أدركت فجأة كيف أنك لم تعطها حقها من المحاولات ..  فيأتي الأمر الالهي ليقول لك في شتى شؤونك " ضلك حاول " .
لا يوقفك ما وقعت به سابقا , ولا تنظر لما قصرت به . انظر للحظتك التي بين يديك و ضع بالله الأمل و على الله الاتكال . انت عليك الجهد وعلى الله النتيجة  .. فربّ ساعة غيرت مجرى ألف ساعة بالاتكال على الله , و كم من ساعات بل أيام قضاها شخوص بمحاولة نيل المرام فما نجحوا لاتكالهم على أنفسهم  . .


تذكر أن قوانين البشر تتغير مع الله . .  ولا تتخلى عن فرصة تملكها للتغير ولو كنت تراها ضئيلة  ..  و اقتبس جملة من رواية تقول "لم تكن أحلامه قد تخلت عنه فكيف يتخلى هو عنها؟!"  . .  لا تتخلى عن أحلام لم تتخلى عنك . .









بـيـــان الكـســــــــيح