إلى كل من سيسمع عما حدث في سوريا في نصيبها من الربيع العربي , الى كل من سيحاول معرفة تاريخه الذي هو حاضري في هذه اللحظات , الى من سيولد على نتائج احداث سوريا و من لم يعش خلال أحداثها .. إلى ابناء الأجيال القادمة , و إلى ابنائي..
هذه رسالة سأحاول فيها شرح تاريخ لم يفهمه حتى ابناؤه, سأحاول أن أصوغ ما التقطته اعيننا من صور و ما ذرفته من دموع في بضع كلمات , و سأكتب ما يشبه المذكرات عما نعيشه الآن في 31-5-2012 .
وسائل التقنية الحديثة سمحت لمن يريد معرفة حقيقة ما يجري في سوريا بالتوصل اليها , أو على الأقل الى جزء منها , باتت مشاهد "الفيديو" التي تعرض أقسى من أن تطاق ! هذا ونحن نراها من خلف العدسة , فكيف حال من يرونها في بثها الحي المباشر, كيف هو حال من يعيشها ! و كيف هم أطفال سوريا الآن و هم يتابعون مسلسل الموت دون أي مشاهد محذوفة على الأقل رئفة بقلوبهم الصغيرة !
ابناء الأجيال القادمة , أعلموا أن ما حدث في سوريا هو أمر يصعب على العقول ادراكه ! لقد طورت الحرب في نفوس أطفال سوريا و في جيناتهم قدرة غريبة على النضوج في ظل أشهر بل أيام !! لقد نست قلوبهم لذة الارتفاع في أراجيح الحدائق و حب اللعب بعدما سكنت فيها لذة الارتفاع الى السماء و حبّ الوطن ! لذة الشهادة !
لا أدري كيف ينطق طفل بالعاشرة من عمره وهو مصاب محمول : "فداك يا وطني" ! فالبعض لا يستطيع أن يصدق النطق فيها حتى وان كان سليما من كل ضير ! ربما هي حجافل الشهداء تزف في كل حارة تلك التي علّمتهم , تلك التي ختمت مناهج العلم كلها بمشهد واحد ! ربما هي زغاريد أمهات الشهداء المعطرة بدموعهن تلك التي أنبتت بقلوبهم زرع الوفاء للوطن .. و لربما هي حرقة فقد الأب و فقد الأخ و الأخت و الأسرة هو ما ترك بأرواحهم لوعة تقترن فيها ولا تتحرر إلا بتحرر أرواحهم من اجسادهم.
أما عن الشباب , فيغني الشاب لحن الحرية لشهيد , فيغدو شهيدا. و يوثق المصور والمخرج والصحافيّ قصة بطل , فيصبح بطلا . ويحمل يوما على أكتافه نعش شهيد , فيحمل بالغد على الأكتاف , و يرفع فوق الرؤوس ! لقد عرف شباب سوريا ما عرفه شباب فلسطين من متعة قول "الله أكبر" تصدح وسط صوت الرصاص , تلك العبارة التي تحتقر كل ظالم وكل جانٍ وكل من تخلى عن نصرة أخيه , تلك العبارة التي تهز الأفئدة , و تصنع في الجو غماما لا يخترقة رصاص أقوى اسلحة البشرية !
رجال سوريا و نسائها ضمنوا الشفاعة ! فكل منهم صار له شهيد من قريب أو من بعيد ! لم تعد الأم تسأل عما اذا كان قد استشهد ابن لها , بل عن عدد الأولاد الذين ودعتهم . و لا يسأل الأب عما اذا كان قد عاش تجربة دفن الحبيب, بل عن عدد الأحبة الذين أهال التراب عليهم ورطبه بدموعه !
سمعت الف مرة صرخات عتب على العرب.. وصلتني ألف صفعة لوم من اخواننا يشكروننا على حسن دعمنا لهم ! وفي كل مرة كنت أشعر أنني أنا التي يدعى علي عندما يدعون على من خذلهم من العرب و المسلمين .. إلا أنني كان لا يسعني سوى ان أتابع ما أستطيع فعله ! افتح المزيد من ال"الفيديوهات", أشاهد المزيد من المصائب, أصلي , أدعي ..و أختنق بسلاسل حدود البلاد و السياسات التي بيننا والتي تشعرني بالعجز, بالضئآلة , و بالشلل التام ! والأهم بعدم القدرة على أن أحظى على الأقل بمغفرة من أبناء بلادنا .. أهل سوريا العظماء ..
هذا ما يحدث الان في الأردن في 30-5-2012 !!
سامحيني سوريا !!!


