الأحد، 22 يوليو 2012

هنا الفجر



    هنا الفجر .. هنا يبدأ اليوم , هنا يبدأ الكون ..  هنا تبدأ إعادة انبعاثات النفوس من موتها الأصغر , هنا تعطى الفرص الجديدة لحياة جديدة , هنا أمل جديد لحلم أن يتحقق .
    هنا سواد غير موحش , تؤنسنا فيه أصوات المآذن ,  ووجود الله يستشعر مع كل صيحة ديك تنادي للصلاة , مع كل ضوء ينار , مع كل نسمة هواء تستيقظ على بهجة اليوم الجديد على أمل بخير جديد .
    هنا فرصة الضائع , والتائب, و الكادح , والمضطر المبتلى . هنا فسحة طمأنينة , و نفحات إسلام من أيّام الرسول الكريم –صّلى الله عليه و سلّم- ..
    هنا قمريستعد لأن يأفل , و شمس تستعد لأن تطلّ. هنا كل رموز الخير تضرب . فلطالما اقترن الفجر بالنصر و الفرج .
هنا بداية الصباح , هنا بداية العالم ..
هنا كل شيء .. كل خير ..
كل أمــــــــل ..
فجــر أمــل على الجميــع  ...


                                                               بـيـــان الكـســــــــيح

السبت، 21 يوليو 2012

رفاهية الشرود


"هؤلاء الذين يصرون على الجلوس بمحاذاة النافذة ... أكثر الناس الذين لو سألتهم عن تفاصيل لا يعرفون الطريق"

    لم أعرف يوما الإجابة عن اسم الشارع أو المنطقة التي نمر فيها عندما كانت أمي تسألني على حين غرة عن ذلك , أملا بأن أحفظ الطرقات . لا زلت أتوه بين الحين و الآخر عندما أحاول الوصول إلى أماكن قد أكون قصدتها عدة مرات قبل ذلك , ذلك لأنني لم أقد بنفسي اليها , و إنما كنت راكبة , و أنا اذا ما كنت راكبة أفقد الإحساس بالاتجاهات, و أعيش حالة من الاستمتاع برفاهية الشرود.

   ما ان تتحرك المركبة , أيّا كان نوعها ,و مهما كانت وسائل الراحة المتوفرة فيها أتحرك أنا الأخرى الى عالم آخر .. أعبر جسر الزمان الى الذكريات , ثم أتعلق بحبال أقفز بها إلى ضفة المستقبل , و أعود أحيانا الى الحاضر , ولكن في خيالي .. فأشتاق , و آمل , و أحلم , و أعيش ..

أعيش مشاعر عشتها , وقد أعيشها , و آمل أن أعيشها . فإذا ما  وصلنا استفيق على مضض .

    أحب أحيانا أن ألقي نظرة على الناس داخل السيارات و الحافلات , أرى في نظرتي تلك أقصوصات من حياة بعضهم , و لمحة من حاضرهم , و "براشيم" نحتال بها لنلتقط جزءا من ملامح مستقبلهم . أرى من يقود السيارة و يقود معها خلافا محتدما بينه و بين من بجواره . و هناك من يقودها محاولا الموازنة بين تصفيقه و انطرابه مع الأغنية التي يسمعها , و بين القيادة . وهناك غيره من يقود و يضع تركيزه في قيادته حتى يطيب المشوار لمن معه , فيضحك ان ضحكوا  , و يفرح ان صفّقوا  ..
كلنا في النهاية قد نقف على نفس الإشارة الضوئية , كلنا .. بصغيرنا و كبيرنا و مريضنا و سليمنا .., نقف بجوار بعضنا , فنمشي باتجاه واحد , أو تفترق بنا الطّرق, و قد نعود من جديد على مفارق أخرى في الحياة , أو قد تكون تلك النظرة هي آخر ما نراه و آخر ما رأيته من أولئك الأشخاص ...

  أحب أن ابتسم للأطفال اللذين لا يحسنون –مثلي- التركيز في الطرقات , و إنما يتباينون بين من يرى في المسير متعة , و بين من يرى فيها مللا أو فرصة رائعة للنوم , فأضحك مع من يستمتع , و أحاول أن أرفّه عن من قد ملّ , و ألتمس السلام من الذين اختاروا النوم ..
   أحبها , متعة الشرود في الطريق ... و أحب سعة الخيال التي تمكنني من عيشها .. و لذلك أسامح نفسي و لا ألومها كلما ضللت -لشرودي سابقا -عن الطريق..


                                                               بـيـــان الكـســــــــيح




جنّتي الصغيرة



    عندما أجلس بهذه الغرفة , بهذا الوقت , يخيل لي أنّ هذه اللحظات هي أسعد لحظات حياتي, رغم أنها لا تشتمل سوى على غرفة وعلى شخص واحد : أنا . أو ربما لهذا أعشقها ..          
      ستارة النافذة تظهر شيئا من النافذة و تخفي شيئا , تحتضنها من أوسطها لعبة "سعدانية" الشكل , مغناطيسية الأيدي , تعطي بحضنتها تلك المقدار الأمثل من الستارة الذي يجب أن يرص إلى بعضه كي يتسنى لنسمات الريح أن تصلني , فكما نرى , أحيانا تحاول هي أن تلطف أجوائنا , و لكنها تحتاج منّا فقط أن نساعدها ونفتح لها شيئا من الستارة .
     من المستغرب أنّ نسمات شهر تمّوز كانت قادرة على إشعاري بالبرد! لكنها لا تفعل ذلك سوى بهذا الوقت , و بهذه الغرفة. أحيانا أعينها أيضا بتشغيل مروحة هادئة خفيفة.. و مع هدئة السماء بألوانها المغربية أشعر فعلا أنني أعيش –في تلك اللحظة-كما أريد أن أعيش !
    هنا أحب القراءة, رغم أنني لم أكن أحبها . و هنا أحببت فترة الغروب, رغم أنني لا أفضلها في أماكن أُخرى . هنا استمع لصوت العصفور الهادئ , ولصوت نفسي .. و أحيانا , هنا أكتب .
   هذا المكان في البيت كان موجودا دائما , لكنني لم اكتشفه قبلا ! تماما كبعض جوانب أنفسنا , ونفوس الآخرين التي نبقى بغفلة عنها حتّى نجرّبها , فتجود . بهذا المكان قد اقضي ساعات لوحدي دون أن أشعر بالوحدة, و أقضي مدد من يومي دون أن أشعر بأني قد أضعت الوقت .
   هل كان غار حراء هو جنّة  رسولنا الصغيرة؟! –صلّى الله عليه وسلّم- . هل كان يجد فيه كل هذا السلام الدّاخليّ و الهدوء ؟! هل كان يشعر فيه أنه يجلس بحضن الأرض ؟! هل كانت تحنو عليه , و تعطيه شيئا من حنانها القليل ؟! ربما كان كذلك , و إلا لما استطاع أن يطيل المكوث هناك. و ربما لن يتفهمه بذلك سوى من عرف معنى أن يكون هناك للشخص جنته الصغيرة ..
   الآن أغلق آسفة  أباجور الغرفة...
                                      وتنتهي فترة النقاهة ...





                              بـيـــان الكـســــــــيح