كنت داخل المحل في "المول" أشعر بضجيج داخلي مهول يصيبني عندما يختلط علي الارهاق بالملل بالحيرة جراء بقائي لوقت طويل في مكان واحد دون أن أجد مرامي . وبلحظة أدركت أن هناك صوتا من الخارج يشبه صوت جرس الانذار .
- يا رب تسترنا برحمتك .
قالها البائع بهدوء دون أن يتغير شيء . البائع بقي بمكانه يبيع , والزبون بقي يبحث , و أنا بقيت بحالتي تلك غير أني ترقبت سؤالا من أمي التي كانت تكلمني على الهاتف عن مصدر وسبب الصوت . إلا أن حتى هذا لم يحدث , رغم أني كنت قد حضرت جوابا يساعدني على الدخول في الحالة الدراماتيكية المتوقعه .. لكن لا شي .. لا شيء سوى عاملين أو 3 من أصول هندية على باب المتجر ينظرون للأعلى بفضول عادي غير قلِق . .
عادي |
فتحت علي الأحدوثة هذه بابا من الأفكار في طريقي للعودة ..
تذكرت بداية انطلاق الالعاب النارية . ذلك الاكتشاف الذي كان قادرا على سحبنا كبرادة حديد من أماكننا أينما كنّا إلى أي مكان يمكّننا من أن نشاهد بديع سحره . كنا نترك كل شيء بأيادينا و نتقافز كخيل بسباق حواجز حتى نصل الوجهة . ولأن مرارة عدم متابعة المشهد كانت كبيرة , كنا نتداركها عند اكتشاف نقص كادر المتفرجين , فنعود أدراجنا قفزا بذات النهج لننادي الفرد الناقص .. فنعود و قد غابت معظمها و لم يبقى إلا القليل
- يا الله راحو علي .. .
-معلش معلش هاي الي شفتها احلى من الي راحو عليك ..
تذكرت أيضا اوائل المرات التي كنا نسمع بها جهاز انذار سيارة , أو اطلاق عيار ناري .. وكيف كنا ننتفض و نحاول أن نتأكد ان شيئا ما لم يحدث . .
وكيف أصبحت كل هذه الأمور : عادي . . يارب تسترنا برحمتك . . ونتابع المسير ..
ربما من الغريب كيف أن الأمور تأخذ هذا التباين في الأهمية عبر الزمن. كيف أن الحدث ذاته , الصوت ذاته , الشكل ذاته قادر على إشعارنا بالكثير من المشاعر في لحظة . والكثير من اللااكتراث في أخرى . صوت الرصاص الذي قد يعني الموت في لحظة أصبح لا يعني شيئا " فرد صوت" .. و صوت المفرقعات التي كانت تدل على عرس فاره لفتاة محظوظة لم يعد غير ازعاج قصير و إن قلّ فلأن الناس قد ملّته .. و صوت انذار الحريق الذي يتعين علينا أن ندخل في حالة من النفير الجماعي عند سماعه لم يعد سوى نغمة طبيعية نتعايش معها إلا أن يصلح العطل دون أن نلقي لها التفاتا ..
هذا الأمر الغريب هو سنة الحياة ..نحن كبشر يصبح من الصعب ادهاشنا اكثر مع مرور الأيام .. لهذا نبتهج مع كل تجربة جديدة نمر بها .. وننتعش مع كل فكرة جديدة نسمعها .. و نرتشف من كل علاقة جديدة تربطنا بشخص جديد رشفة من حياة . . ولهذا أيضا تنحصر الأمور بمسميات رتيبة , فتغدو العبادة عادة , والحب عشرة , والصداقة رفقة . .
لهذا يجب أن ندخل لحياتنا الكثير من المستجدات , ونحمي علاقاتنا من الملل والاعتياد .. و نعيد لكل أمر نقوم به ألقه بطريقة ما ! و نجدد روح الشيء لا كنهه أحيانا . .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق