كيف تعطي الأماكن نفسها الحق بالتلاعب بنا ؟ كيف يطيب لها أن توهمنا بأننا مُلّاكها تارة , لتلفظنا تارة أخرى عندما ينتهي الموسم ؟
كيف تقدر على إشعارنا بأنها لا تمتلئ إلا بنا في حين أنها تستعيض عنا بأولاد خير منا بعيونها و أقرب رحما ؟ ولماذا صدّقنا ذاك الشّعور بأنها لنا وحدنا , مرة أخرى ؟
تدخل ذلك المكان , فترى آثار أقدامك مداس عليها مراراً و تكراراً حتى كاد الأثر يندثر . تحاول أن تلملم من جدران المكان بقاياك التي تركتها حين استندت إليها . ترغم نفسك على استعادة شعور الأحقيّة كي لا يقرأ أحد من وجهك غربتك فتسمعها قبل أن يسمعها وتصير ضيفا بثوان .
تنظر إلى من يسكن الحاضر وترى بهم ماضيك ! وكأنك تشاهد تسجيلا لبدايات رحلتك ممثلا بوجوه جديدة , كالحلم في غرابة تمثيله لواقعك بوجه آخر . لم تكن تدرك قبل ذلك أن مسرحيّتك أيضا لم تكن سوى العرض ال50 لذات النّص الأصلي . و أنها لم تكتسب أهميتها العظمى سوى لأنك لعبت دوراً بها فانحزت لها , رغم أنه لم يكن حتى دور البطولة !
تضحك ساخراً من نفسك إذ كنت تستغرب تلك البلادة التي تسكن من لم يكن يحمل دوراً يوازي دورك يوم كان العرض عرضك , لم تكن تدرك أن مسرحيّتك لم تكن الأولى التي يشاهدها حينها . لم تكن تدري أن عينيه هما عينا مشاهد , لا ممثل , و إن شارك بالإعداد .. أنت المغيب لا هو .
تعود للمكان ذات المجموعات بنسخ أحدث . مضحك هو الأمر حين ترى ما يمكن تحقيقه بمضاهاة من هذا النوع . تبدأ بتركيب كل مجموعة حالية مع نظيرتها التي تحاول تمثيل دورها , تلك الواردة في النّسخة التي كانت تحويك . هاهم مجموعة " العلماء" , بعضهم لم ينجح سوى بالجانب العلمي وآخرون أوفر حظاً في امتلاك قدرات اجتماعية أفضل قليلاً . وهناك تقف مجموعة "المظاهر" , فئة لم تأت إلا للاستعراض , تقابلها من الذكور مجموعة " العضلات " التي تكون غالب العضلات بها وهمية لا يراها إلا صاحبها فيمشي متثاقلا بها منازعا بها من حوله . إضافة لمجموعة " نحنا الدين " التي تكون جوفاء من الدّين في أغلب الاحيان و التي كونت لتعاكسها مجموعة "لا للدين " .
ولا ننسى "اجتماعيين" و "المرح " . .
هي المشاهد ذاتها و إن اختلف الممثلون . و رغم أنك تحاول أن تدّعي أنّك منهم ولو لنفسك يرفضك المسرح , فالدّور ليس دورك الآن . لك دور على خشبات أخرى فلا تهمله و أنت تنظر لمسرح سابق , ولا تدافع من له الأحقية بالتواجد هنا و قد كنت تعرف أن هذا ما سيحصل حتى وأنت تنكره. فلا تكابر , فالبيت هذا عامر و يضجّ بمن فيه كما ترى . ولم يعد في البيت متسع .





