السبت، 26 يوليو 2014

عالم غزة





   كلما نظرت إلى وجوه أطفالها , واستمعت إلى كلامهم , و ردود افعالهم ارتسمت أمامي تلك الكيلومترات الكائنة بين عالمينا , لسنا من ذات التركيبة , أفكّر  . لا بد و أن هناك عالم مستقل يدعى فلسطين , و بلدة صغيرة فيه تدعى غزة  . ولا بد و أنني أسكن في عالم بعيـــــــــــد جدا عن ذلك العالم .
  
   كيف يحتمل قلب صغير كل ذلك الوجع ! كيف يضحك طفل عندما يقول "وين بدنا نروح يعني ؟ " ويرد آخر "على الجنة " , وهو يدرك أن تلك الاجابة 
فعليا هي الاجابة الصحيحة .  هل تعيش مدينة غزة في حقبة زمنية تختلف عن حقبتنا ؟ حتى شعرت و كأنني أتابع أحداث حرب تحدث في ماض بعيد , حيث كان المسلمون أكثر ايمانا , و كانت النفوس توهب للرحمن دون خوف , و كانت الأمهات تربي أبنائهن على أن الأمر كله لله. هناك في تلك السنين الأقرب لعهد الرسول –صلى الله عليه وسلم- والصحابة . حيث كان قيام العشر الأواخر من رمضان يتحقق بقيام الأطباء في المشافي , وقيام المجاهدين في الثغور , وقيام العائلات بأطفالها و كبارها و نسائها و رجالها في جنة الخلد بإذن الله ..  قياما يمتد من بقعة مقدسة في الأرض إلى رياض الجنان  .

    و أنا أكتب , ما زال هناك جرح ينزف , و يد مبتورة لن تعود من جديد , و روح تودّع , و أم تزف ابنها الشهيد بالحلوى أمام من بكوا بدلا منها. و أنت أكتب , يُكتَب الآن لنفس جديدة الشهادة , و تصبح هناك أرملة جديدة , و أيتام جدد , و أخت تهز كل أركان المكان بصرخة تودع بها أخا لها .
و أنا أكتب , يبحث البعض عن بقايا بيوتهم في حارات لم تعد تشبه حاراتهم , و بأجساد لم تعد تشبه ما كانوا عليه .

    يا رب , ما أصبرنا على ما نحن به إلا حسن وعيدك للشهيد و من يصبر من أهله و وعدك بنصر للمؤمنين .. نعلم أن الروح لا تموت بل تنتقل انتقالا , و أن أرواح أهالينا الشهداء إنما انتقلت إلى جوارك ,وما أحسنه من جوار! هناك حيث لا تعب ولا نصب ولا دموع ولا وجع , حيث لا مزيد من الفقدان واللوعة و الألم . هناك حيث هم الأجدر بأن يحزنوا على ما بنا من دنيا !هناك حيث يقولون "يا ليت قومي يعلمون" . هناك حيث كل شيء بسلام يا رب السلام
إلا أنه لا زال في الدنيا لنا نصيب من الأوجاع التي تركوها لنا , لأهلهم و أصحابهم و أحبابهم . ما أصعب الفقدان يا الهي إن لم تعن أهلنا عليه , و ما أطول الطريق يا إلهي إن لم تكتب لنا نصرا و سندا يوصلنا إليه

أعن أهلنا يا رب في غزة , وانصرهم , و اهزم عدونا و عدوهم واخذله , و أعننا لنكون إخواننا لهم و أعوانا ومسلمين حقا لنستحق منك النصر .











بـيـــان الكـســــــــيح